بسم الله الرحمن الرحيم

 

يقول سبحانه و تعالى في محكم تنزيله :

﴿ و من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منه من ينتظر وما بدلوا تبديلا ﴾ . صدق الله العظيم

 

رسالة الأم خْديجة الحافظ إلى المعتقلين السياسيين الصحراويين بالسجن لكحل الرهيب و إلى ابنها المعتقل السياسي و الطالب الصحراوي سعيد مصطفى الخير البيلال المغيب بسجن سلا المدني السيء الذكر والصيت.

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،

 

أيتها الأمهات الفاضلات، اللاتي بَسَطْنَ عليهن رواق المعاني المظلمة من الآلام والأحزان منذ زمن ، و رضين لقلوبهن أن تجتمع من  مواجع هذا الشعب المتناثرة.

إليكم أبعث تحية الصمود، التحدي، المقاومة والجَلدْ.

و من خلالكم أبعث إلى أبنائي، أبنائكم وأبناء الشعب الصحراوي الباسل ،  أولئك الذين أيقنوا أن شرف الهلاك  خير من نذالة الحياة ، المعتقلون السياسون المضربين عن الطعام ،رسالتي هاته، كأم تتوجع وجعكم، وتتقطع ذاتها تقطع ذواتكم، ويفيض صدرها المحزون فيضة الملآن كما صدوركم و تنادي،

و ا كبداهْ،

و تقول لكل حاسة أرادت أن تنحني، وعاطفة أرادت أن تستذل،" يا سرحة الوادي ما تزال هناك جبال لا تنحني لعاصفتك."

 

أيها المعتقلون المغيبون عن الأنظار والمضربون عن الطعام، بمقبرة الأحياء، بالسجن لكحل الرهيب.

يا من جمعن في نفوسهم الرجولة والضمير والدم الكبير، إنكم والله لتُمَرغون أنف العدو في التراب، ولتمزقون طموحه الحقير في تدجينكم، تغييبكم و هضم حقوقكم، وإبكام أفواهكم ...، بإضرابكم المفتوح عن الطعام، وأنتم من حفظتم دروسه في الخداع والكذب ورفضتم أن تكون فئرانا للتجارب، وصرختم في وجهه، لن نخضع.. لن نركع.. و لن يسكتنا التعذيب ولا التخويف ولا التهديد ولا الترهيب ...،فشمس الحقيقة لا يمكن تغطيتها بالغربال، ساطعة لا تقبل الشك و لا الارتياب.

أيها المعتقلون المغيبون عن الأعين، الحاضرون في الأفئدة،

 إن معركة الأمعاء الفارغة التي تخوضونها ميسم عار على جباههم، و وخزة خزي في ضمائرهم، فوالله إن الشهادة لمطمح الجميع، وإن النصر لينشده الجميع، والكل يتغيأُه مجسدا على أرض الواقع، لكن واهٍ لهذا القلب الذي يتألم مع كل تنهيدة مستثقٍلة تتنهدونها، ويتقطع مع كل زفرة و شهقة متباطئة منكم... لأنكم أنتم الجسم الثاني لروحنا،" الجسم الذي استيقن أنه يعيش ليموت".

 

أي بُنَيْ، أنت الآخر، المغيب في المغارة المُقْفلة الأبواب، أكتب إليك في أحزاني اضطرارا. أكتب إليك لا كطالبة و لا كمثقفة تختار كلماتها وتسبك عباراتها، أو تتضع في خطابها .لكن كأم تكتب بمداد دمها، أكتب إليك بعد أن أرست الفرحة المختلطة بالحزن على شاطئ نفسي بأحمالها، أكتب إليك بعد أن سمعت كلمات بوح الأمعاء عبر أثير الإذاعة الوطنية، تلك العبارات والعَبَرات المتنهدة صرخة الأمعاء وأنين الأحشاء.

يا الله، يا لها من كلمات هزت كياني، وارتج من شدة وقعها عليﱡ جسمي، و تهاطلت دموعي، وحولت كل هم فيَّ إلى قوة تلتمس العطف والرقة منه سبحانه وتعالى.

 

أي بُنَيْ، اعلم أن الرجل لم يجتمع إلا من المكاره و الغمرات التي خاضها، وشب عليها حتى كأنما خرج من وزن رجل إلى وزن جبل، واعلم أن الرذيلة واحدة، ويتعدد أهلها، فمهما كثُروا أُلوفاً و ملايين، فهو واحد في المعنى، لأنهم في الرتبة المنحطة.

آه بُنَيْ، وتبًّا لتلك الآلام التي تقطع أوصالك ،و لها على نفسك غمز مؤلم، قد يكون أشد من ابتسامة العدو الذي يشمت فيك، وأنت كمن وضع رجلا في الدنيا ورجلا في الآخرة.

 

أي بُنَيْ، يا جسم روحي، إن حقدهم، حسدهم، كرههم، وشايتهم، تهمهم و دروس الشر والآلام التي تعيشها، إنما هي عنصر من عناصر التحدي الأسمى و ترجمة سخيفة منهم لقلب سامي النزعة، قار الصبر.

أقول لك، أي بُنَيْ، إنما الجناح الكبير خُلق كبيرا ليأكل الأجنحة الصغيرة، فلا تصيبك حالات الفتور و أنواع التكسر، واعلم أن القلب المبتهج يقتل من المكروبات أكثر مما يقتل أقوى المطهرات، وأن العمر إنما هو سُلَّم إلى السماء، لا إلى غيرها.

أي بُنَيْ، ليس ببعيد أن تكون الآن طريح الفراش، لا تقوى على الحركة وتغلبك الوعثاء، وتتلوى من الألم، و هو كذلك، إلى جانب باقي إخوانك المضربين، رغم فاصل المكان، وإن اشتركوا في صفة دُمسة الظلام، وعتمة الزنزانة، ونتانة الرائحة ، وبرودة الجدران،وسوء المعاملة ،وقبح تلك الوجوه ... فلا قيمة مضافة بين هذا وذاك، واعلم أن التاريخ لم يقف أمام زحف جانكيزخان، ولا جبروت عاد الأولى، ولن تـقف حركته عند أعتاب عنجهية إدارة سجون الإحتلال.

أيها المعتقلون السياسيون،

 إن استخفاف قراصنة الحريات بالحياة لهي مهزلة و نكاية، وإن عدم مبالاتهم ليجعلنا ندق ناقوس الخطر ونكتب بمداد الدموع أمانينا، و نغني بشجن الحزن لحظاتنا، و إن القلب ليتمزق، والنفس مضعضعة، وكأنما هي من بكاء أعضائي المتألمة ... وإني لأدع صمتي يُتَمِّمُ كلامي ...

والسلام عليكم.

 

الأم خديجة الحافظ

14 مارس 2008

العيون المحتلة

  الصحراء الغربية