في ظلال الحدث: إذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام!!

لقد برز تاريخ 27 فبراير عنصرا جديداً إذ أستغلت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، الفراغ القانوني الذي تركه الانسحاب الاسباني من خلال تأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي جاء إعلانها في لحظة من تشتت البال وضعف الإمكانيات والحيرة ...!!
في تلك اللحظات العصيبة، جاء الإعلان مفاجئا ليس للرأي العام الوطني الذي كان مغيبا بفعل التعتيم، بل أيضا بالنسبة للمراقبين وللقوة المحتلة وللدول الراعية لطبخة التوسع في مدريد: ففي وقت كان الصحراويون تائهين بين الجبال والوهاد، شاردون من ديارهم، مجروحون في وجدانهم وضميرهم بفعل القصف الذي كان يطاردهم، جاء إعلان الدولة الصحراوية كباشرة أمل جديد وتحدي آخر في مواجهة روح التقسيم والاستصغار التي حاولت، التنكر لحقهم في الكينونة وفي الوجود، متطاولة على القانون الدولي والمشروعية، مستغلة هكذا ضبابية الحرب الباردة وما رافقها من مناخ الاستقطاب والعسكرة .!!
لقد كان الإعلان عن تأسيس دولة صحراوية مستقلة، له وقعه البسكولوجي والسياسي في النفوس الصحراوية بخاصة لدرجة ان الذين انتشلوا من تحت القصف في ام ادريكة، تناسوا جروحهم في تلك اللحظة.. والذين وصلوا المخيمات حيث أعلن الخبر، تناسوا متاعب الطريق ومشقة السفر ومرارة فراق الأحبة وهجرة الوطن ..!! إذ قال الولي في لقائه مع بعض الناجين من القصف بان الطفلة التي فقدت يدها لم تحدثهم عن آلامها، بل كانت كلها عزيمة وقوة متناسية آلامها ومستحضرة قوة الوطن وحب الشهادة والشهامة وكذلك المرأة التي بترت يدها..!!
كل ذلك تم بفعل إرادة التحدي التي اكسبها الحدث وما واكب لحظات الشعور بالمخاطر وحرب الإبادة التي كانت تلاحق الصحراويين من الشمال والجنوب..!!
ونحن نستعيد الحدث لا نملك إلا القول بان إرادة الرجال والنساء هي التي جعلت مؤامرة مدريد تطمر وتتبخر على صخرة الوحدة الوطنية.. تلك القوة التي تملكت الشعب الصحراوي، زادها حدث إعلان الدولة الصحراوية، قوة واكسبها بعدا جديدا .. بات اليوم مناعة ذاتية نجدها في قوة الصمود النووي لآلاف من الرجال والنساء، الذين رابطوا على العهد في المخيمات في المؤسسات وفي مرابط الانتفاضة وساحات الوغي داخل الأرض المحتلة في جنوب المغرب وكل مواقع الصمود وساحات المرابطة ..!!
تلك القوة التي صنعت مكاسب أخرى وأنجزت قلائعا من الثمرات .. قال عنها الولي مصطفى السيد وهو يتهيأ لإعلان الحدث بان المكاسب يجب ان توظف لجلب" أخرى جديدة"، والقيادة هي التي" تعطي للقاعدة دون أن تأخد منها مثقالة ذرة .."وتلك هي ريادة الفعل الثوري كما قال مؤسس الدولة الصحراوية قبل أزيد من ثلاثين سنة: فالوحدة الوطنية أسست للمجلس الوطني المؤقت الذي بدوره اطر العمل وجاء بتأسيس الدولة الصحراوية، وخلق البديل للإدارة الاستعمارية، واحدث النقلة.. وذهب بالخيال الوطني بعيدا، وأعطى للمسيرة نقلة أخرى وخطابا جديدا للتكيف مع الخطاب الدولي .. وهكذا دواليك .. فالتطور سمة بارزة في تاريخ البشرية الذي تكتبه عظمة الرجال والنساء بالعطاءات وبالتضحيات وبالملاحم ..!!
تمر هذه الأيام ال 32 سنة على تأسيس الدولة الصحراوية، ففي وقت تعلن المجموعة الدولية، رعاية غير مسبوقة في احتضان كوسوفو، تبقى المشروعية الدولية في بلادي، تراوح مكانها عند عتبة المطالبة بتقرير المصير ..!! يالها من ازدواجية المعايير في تطبيق القانون وفي حماية الحرية واحتضان حقوق الإنسان والمرافعة عن قيم الديمقراطية...!؟
يقول احد الكتاب وهو يشرح إلانعكاسات المتولدة عن ميلاد الجمهورية الصحراوية كونها دولة تطالب بأن كل إقليم الصحراء الغربية الموجود في الحدود الدولية المعترف تحت سيادتها : أولاً يمكن للدولة الصحراوية إستعمال حقها في الدفاعالشرعي ضد المغرب الذي غزا أرضيها. كما أن مراقبة الدولة باستمرار لجزء من أراضيها كما حدث بدون إنقطاع منذ 1976 إلى غاية يومنا هذا يشرع لها حق الرد العسكري في حالة ما يحاول المغرب القيام بأي نشاط عسكري لاحتلال هذه المنطقة. ثانيا فأن وجود الجمهورية الصحراوية يمكن أن يفترض أن حل النزاع، عبر الاستفتاء، لا يهدف فقط إلى إمكانية حصول الشعب الصحراوي "على دولة مستقلة وذات سيادة" مادامت هذه توجد فعلاً، بل هو وسيلة تساعد السكان الصحروايين المحليين على إقرار ما إذا كانت الدولة، الموجودة فعلاً، أي الجمهورية الصحراوية تريد الاندماج مع المغرب أو تفضل الاستمرار في الاستقلال مسترجعة المنطقة المحتلة من طرف المغرب..!
يلفت الباحث واستاذ القانون الاسباني ، الانتباه إلى معضلة المغرب في بحثه فورا ومنذ البداية عن المتنفس القانوني: بعد أشهر قليلة من إنقضاء إتفاقية مدريد (27 فبراير 1976) وتأسيس الدولة الصحراوية، قام المغرب بالبحث عن تشريع جديد لاحتلاله من خلال توقيع إتفاقية دولية مع موريتانيا حول الحدود تتضمن تقسيم الإقليم. وأطلق عليها إتفاقية 14 ابريل 1976 ورسمنت تحت اسم "المعاهدة الخاصة برسم الحدود الدولية ما بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية"، التي دخلت حيز التنفيذ إبتداء من 10 نوفمبر 1977. وقد قسمت هذه المعاهدة الصحراء فأخذت موريتانيا الإقليم الجنوبي (وادي الذهب أي تيرس الغربية بالتحديد) والمغرب كل الإقليم الصحراوي شمال خط التقسيم المتفق عليه. إذ إتفق "الطرفان الموقعان بأن الحدود الدولية المرسومة بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية والمملكة المغربية هي الخط المستقيم الذي يبدأ من نقطة تقاطع الشاطئ الأطلسي مع خط العرض 24 شمالاً ويتجه نحو نقطة التقاطع هذا الخط المستقيم مع حدود الجمهورية الإسلامية الموريتانية مشكلاً بذلك الحدود الجنوبية للمغرب".
غير أن هذه المعاهدة لا تعطي للمغرب التشريع القانوني الضروري للإستيلاء على الصحراء الغربية (أو على الأقل على أكبر جزءً منها). إلا أن الأمم المتحدة عارضت دمج الإقليم الناتج عن هذه المعاهدة. فالجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدما سجلت هذه المعاهدة وصفت ما قام به المغرب في مناسبتين مختلفتين ب" إحتلال" " قابل للتنديد به".من جهة أخرى فإن قرارات مجلس الأمن (خصوصاً تلك التي صادق عليها المغرب ( مخطط السلام 1990، إتفاقية هيوستن 1997 و"مخطط بيكر الثاني" لـ2003 ) تشير كلها إلى تصفية الاستعمار من إقليم الصحراء الغربية مما يدل على أنها لا تعترف لا بالتقسيم ولا بدمج الإقليم الناتج عن المعاهدة المغربية الموريتانية لسنة 1976، ولا بما اقدم عليه المغرب 1979.
ثالثاُ لم يشر المستشار القانوني للأمم المتحدة، هانس كوريل، في الحكم الذي أصدره بتاريخ 29 يناير 2002 إلى تلك المعاهدة عندما قام بتحليل التطور القانوني للقضية.
من جهة أخرى فإن المعاهدة المغربية الموريتانية لسنة 1976 لم تعط للمغرب، التشريع القانوني الذي يريد، بل تحولت ضد المواقف المغربية السابقة. وهكذا ولو أعتبرت معاهدة التقسيم لسنة 1976 مقبولة فذلك يعني أن إحتلال المغرب للجزء الجنوبي من الصحراء الذي تخلت عنه موريتانيا سنة 1979، يشكل "إستعمالاً للقوة " يخرق الشرعية الدولية ما دامت موريتانيا لم توقع إتفاقاً لتسليمه هذا الإقليم سنة 1979 للمغرب.. المغرب الذي وقع سنة 1976 إتفاقا حول "رسم الحدود الدولية" مع موريتانيا واضعا حدوده الجنوبية عند الخط الذي يبدأ من نقطة شمال الداخلة، لا يمكنه تبرير إنتماء هذا الجزء من الصحراء إلى "وحدته الترابية" ما دام لم يندد بتلك الاتفاقية،يكشف عميد الجامعة الاسبانية في دراسته القانونية عن تناقضات المغرب مع المشروعية الدولية وازدواجية المعايير (...)
ويضيف لقد برز تاريخ 27 فبراير عنصرا جديداً إذ أستغلت البوليساريو الفراغ القانوني لتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي نجحت في الحصول على إعتراف أكثر من 80 دولة، بحسب الكاتب الاسباني خوسي ميقل، والتي قبلت كدولة عضو في منظمة الوحدة الإفريقية وهي إحدى الدول المؤسسة للاتحاد الإفريقي..!!
كيف التوفيق رغم تعارض القانون والسياسة.!!؟
يلاحظ رجل القانون الاسباني كيف أدى إتمام بناء الأحزمة الدفاعية وتحويل النزاع إلى حرب إستنزاف إلى وضعية جعلت من الممكن البحث عن حل وسط: البوليساريو تتمتع من جهة بمبرر قانوني غير قابل للنقاش ووسيلة ضغط سياسي ( العودة إلى الحرب) بينما المغرب حتى ولو كان يفتقر إلى مبررات قانونية مقبولة، يتوفر على موقف سياسي مسيطر ما دام قد ضمن عزل أكبر جزء من الإقليم ضد الهجومات المسلحة للبوليساريو ..!!؟ هنا برزت فكرة التفاوض لحل النزاع (...) وتم قبول مقتضيات التسوية مع إمكانية أن الاستفتاء يمكن الا يؤدي للاستقلال في ظل طرح خيار الانضمام، الا أن رفض المغرب له يثبت انه كان يخشى من النتيجة التي لن تكن شئيا غير تثبيت الاستقلال ..!؟

بقلم: السالك مفتاح