تشريع الاحتلال بالثقافة .. الخداع الكبير

لم يستطيع المغرب خلال العقود التي قضاها محتلا للصحراء الغربية أن يهضمها سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا. فالنظريات السياسية تقول إن المجتمع إذا كان قابلا للذوبان في مجتمع أخر فمدة من عشرين إلى ثلاثين سنة هي كافية لظهور أعراض التذويب بالدمج الطبيعي فقط أما، إذا تم استعمال وسائل أخرى ممنهجة فالمدة أقل. فالنظرية الفرنسية التي تم تطبيقها على المستعمرات الفرنسية في إفريقيا في القرن التاسع عشر ترى أن محو اللغة والثقافة والبدء باستبدالهما هي أسرع طريقة لتذويب المجتمع ولا تتطلب سوى عشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة حتى يظهر تأثيرها المدمر.

إذا نظرنا إلى ما حدث للمجتمع الصحراوي مع الاحتلال المغربي نجد أن معركة التذويب فشلت فشلا مهينا لا رجعة فيه، فما يحدث في الصحراء يؤكد أنه كلما تقادم الاحتلال زمنيا يزداد تمسك الصحراويون في المناطق المحتلة بثقافتهم وهويتهم ولغتهم، بل أنهم أصبحوا يستعملونها كوسيلة دفاع وردع سياسي ضد الاحتلال. وفي الواقع إن الاحتلال كان غبيا جدا فقد حاول إن يُحدث السيطرة بالقوة على الإقليم عسكريا وبوليسيا وماديا ليقبض أنفاس شعب كامل بسرعة متناسيا أن التنافر الثقافي الحاصل بين الصحراويين والمغربيين والذي يصل إلى نسبة 99% هو الحاجز الذي لا يمكن احتلاله ولا يمكن تكسيره ولا القفز عليه لا بالوقت ولا بوسائل أخرى. فالصدمة التي قابلت المغربيين أنهم احتلوا أرضا وشعبا لا يتكلمان لغتهم ولا يمكن أن يتفاهما حول أبسط شيء، أضف إلى ذلك أنهم حملوا في وجههم السلاح والأعلام والحجارة وكل ما في متناول اليد. فمنذ بداية الاحتلال اجتهد المحتلون في إخفاء أي إشارة من إشارات الثقافة الصحراوية لتدمير المجتمع نفسيا وثقافيا، ولكن المشكلة أن الساكنة الأصلية للإقليم رفضت التمييع وتمسكت بعروة ثقافتها حتى أقنعت الغزاة إن احتلالهم لنا ثقافيا مستحيل.

خداع سري كبير...
رغم طول مدة احتلال المغرب لوطننا لم يستطيع أن ينتزع أي نوع من الاعتراف يشرع احتلاله للإقليم، فسياسيا لم يعترف له أي كان بملكية الأرض، واقتصاديا أحجمت كل الدول وكل المستثمرين عن الاستثمار في الصحراء الغربية فبقيت المنطقة مرهونة بالانتظار والوعود الكاذبة حتى اليوم.
الآن بعد الفشل النهائي في كتم وردم الثقافة الصحراوية تعمل القوة المحتلة على توظيفها لتشريع الاحتلال بطريقة أخرى فنية قد لا يتفطن إليها احد إلا في اللحظات الأخيرة. فمنذ سنتين تقريبا تحاول السلطة المحتلة أن تنظم بعض المهرجانات البهلوانية تحت اسم إحياء "الثقافة الصحراوية"، لكن الهدف منها في العمق هو محاولة تشريع الاحتلال بإطلاق دعاية ضخمة حول تظاهرة فارغة من المحتوى ولا تهدف سوى إلى خداع العالم وذر الرماد في عينيه. فكل المهرجانات مثلا يتم حولها تفجير قنابل دعاية أكبر منها وتُوصف بأنها مهرجانات "عالمية"، ففي العيون مثلا يُنظم مهرجان ثقافة الصحراء "العالمي" وفي الداخلة مهرجان الصحراء والبحر "العالمي" وفي السمارة مهرجان المدينة السياحي والثقافي "العالمي" وفي بوجدور مهرجان " أطراطيكَ" .... وفي اوسرد مهرجان..... . إن ما يحصل يريد منه الاحتلال تمرير عمليتي خداع كبيرتين أولهما تتم على المستوى المحلي وتتمثل في إلهاء الصحراويين الفقراء والعاطلين بالقوة عن العمل عن التذمر والتظاهر اليومي وصرف أنظارهم عن مشاكلهم في التحضير للمهرجان والمشاركة فيه وخداعهم إن المهرجان سيُروِح عنهم وسيجلب لهم عائدات سياحية كبيرة وتقام له مشاريع يستغلها الساكنة لتحسين وضعهم المعيشي، أما العملية الثانية فهي موجهة للخارج لجلب تشريع الاحتلال، فتقوم سفارات القوة المحتلة للإقليم في الخارج بالترويج للتظاهرة وتوزع الاستدعاءات والدعوات على أساس أن هناك تظاهرة ثقافية في المغرب في التاريخ المحدد دون ذكر المدينة بالضبط، وحين تتلقى الاستجابات لا تعلن عن أسماء المشاركين ولا تخبرهم باسم المدينة إلا في الأيام الأخيرة بعد أن يتم حجز التذاكر وتكاليف الإقامة. ويرجع سبب ترتيب هذه العملية البوليسية المخزنية على هذا النحو السري الخبيث للغاية إلى أن الاحتلال يريد توريط المشاركين، خاصة الفنانين ورجال الفكر في التظاهرة، فقطعا إذا كان منهم من يعرف بعض أبجديات القضية فهو سيرفض المشاركة إذا عرف المكان والمدينة في البداية، والسبب الثاني راجع إلى التخوف من اتصال الطرف الصحراوي بالمشاركين لثنيهم عن المشاركة بحجة أنهم يشاركون في تظاهرة في أرض محتلة وضد إرادة شعبها، وأن القصد منها هو تشريع الاحتلال عن طريق الثقافة ليس إلا .
فمثلا الإعلان يوم 26 فبراير عن مشاركة الشاب خالد من الجزائر ومشاركة كاظم الساهر من العراق في ما يسميه الاحتلال "مهرجان الداخلة للصحراء والبحر" يجعل الكثير من الناس يتفاجأ بالحدث والحادث، ويجعلنا نحن في موقف المقصرين حين لم نحرك ساكنا من قبل لشرح الموقف لهذين المطربين الكبيرين حتى لا يقعان في الورطة. فأظن أن مجيء الشاب خالد أو الساهر إذا كانا سيشاركان لن يكون بدافع مادي مثلما قد يحدث لآخرين فهما أغنياء بما فيها الكفاية، وقطعا لن يعطيهم المغرب الكثير، لكن المشكلة على ما أعتقد تكمن في الخداع الكبير الذي يقوم به الاحتلال في مثل هذه المناسبات وقد حصل فعلا للكثير قبلهم دون علم منهم ولا منا نحن الذين يجب إن ننشط في هذا المجال حتى نمنع تكرار هذا الخداع الكبير والخطير.

بقلم: السيد حمدي يحظيه